حكايات مشيره محمد ٢

نُشر منذ 4 أيام
حفظ
غلاف المقال

دخل المساعد هشام، وحط ملف سميك جلدي على الطاولة قدام شريف ونادية، وقال بصوت عملي ومنضبط:
“يا فندم، التقرير الأولي لواقعة الليلة خلص. بالفحص الشامل لاتصالات طارق بركات وسجلات التحويلات المالية الخاصة به في آخر ستة شهور، اكتشفنا حاجات مرعبة مكنتش في الحسبان.”

نادية رفعت حواجبها ببطء وقالت بصوت هادئ وحازم: “تفتكر الموضوع مجرد غباء وظابط فاشل بيفرّغ عقده في الشارع، ولا وراه شبكة أعمق؟”

هشام فتح الملف وطلع منه أوراق مرسوم عليها شاشات ومستندات: “يا فندم، طارق بركات مكانش صدفة في المحور في الليلة دي بالتحديد. التليفون بتاعه سجل مكالمات متكررة قبل الحادث بساعة مع شخصية تدير شركة مقاولات وتصدير وهمية، مسجلة بأسماء مستعارة، بس بعد التتبع تبين إنها ممولة من جهات خارجية غير مشروعة كانت بتراقب تحركات الموكب الرسمي بتاعك لجمع معلومات عن خط سيرك الأمني الجديد.

”

الغرفة سادتها حالة من الصمت القاطع. شريف المنياوي ضيق عينيه بحدة، وضرب بأصبعه على الطاولة وقال: “يعني العملية مكنتش صدفة.. دي كانت محاولة لاختبار سرعة الاستجابة الأمنية لخط سير رئيسة الجهاز، أو ربما محاولة لاستهداف معنوي أو احتجاز مدبر تحت غطاء قانوني وهمي!”

نادية سحبت الملف قدامها، وابتسمت ابتسامة خفيفة وخالية من أي مشاعر إنسانية، وقالت بصوت بطيء يحمل وعيداً ثقيلاً:

“الغباء البشري لما بيجتمع مع الخيانة بيبقى أمراً مدمراً.. بس اللي خططوا للعبة دي مفكروش كويس في رد الفعل. طارق مفكر نفسه ملك القسم، والناس اللي وراه مفكرين إن اللعبة انتهت.. هما لسه ميعرفوش إننا النهضة دي هندفنهم أحياء.”

رفعت نادية رأسها وبصت لشريف المنياوي وقالت بأمر مباشر:

“شريف.. صفي الحكاية دي لحد آخر خيط فيها. عاوز كل واحد تورط في المؤامرة دي.. سواء من جوه الجهة الأمنية أو من براتها.. يكون قدام الجهة القضائية المختصة الصبح.. ومش عاوز أي ثغرة قانونية تخليهم يهربوا.. فاهم؟”

شريف وقف باحترام كامل وأدى التحية بصرامة:
“علم تنفيذ يا فندم.. المحور من اللحظة دي ولحد أسبوع قدام هيبقى تحت الإدارة المباشرة لجهاز العمليات الخاصة.. ومفيش فأر هيقدر يهرب من الشبكة اللي فرناها.”

مع إشراقة شمس يوم جديد، كانت خيوط الفجر الذهبية تنعكس على أبراج القاهرة، لكن الجو العام كان مشحوناً بغيوم ثقيلة. في الجهة القضائية المختصة، بدأت أطول وأسرع جلسة في تاريخ المؤسسة الأمنية. طارق بركات، الذي كان يدخل القسم كأنه إمبراطور لا يُقهر، دخل القاعة المنيعة مقيداً بالقيود، وعيناه مسمرتان في الأرض من رعب الموقف، وحوله حراسة مشددة تمنع الهواء من دخوله.

القاضي رفع المطرقة بضربة واحدة دوت في القاعة كلها، وبدأ تلاوة قرار الإحالة والمادة القانونية التي تدين إساءة استخدام السلطة والإضرار بأمن الدولة العام.
وفي نفس اللحظة، كانت نادية الجبالي تقف في مكتبها بالجهاز الأمني الأعلى، تنظر من النافذة الزجاجية الضخمة التي تطل على العاصمة المتسعة، وبصوت خافت لنفسها قالت:

“اللي يفكر يلعب مع الدولة.. ينسى هو مين.”

جلسة الجهة القضائية العليا كانت أشبه بساحة حساب قانونية وإدارية. قاعة الجلسة مغلقة تماماً، لا يحضرها سوى القضاة وهيئة الادعاء، بينما يقف الضابط السابق “طارق بركات” في قفص الاتهام، مرتدياً ملابس الاحتجاز البيضاء، وقد تبخرت كل ملامح الغطرسة والتعالي من على وجهه تماماً. صوته كان مرجوفاً وهو يحاول مقاطعة القاضي:

“يا فندم.. أنا كنت بؤدي واجبي.. العربية مكنتش عليها لوحات سيادية واضحة في الظلمة، والكارنيه حسسته مزور بناءً على خبرتي…!”

قاطع رئيس الجهة القضائية بصوت صارم كوقع الصواعق: “اصمت! خبرتك المزعومة انتهت لحظة تجرأك على تعطيل خط سير استراتيجي يخص رئيس جهاز سيادي، وتعمُّد تجاهل غرف العمليات المركزية.

الواقعة هنا لا تتوقف عند حدود سوء التقدير الإداري، بل تجاوزته إلى التواصل غير المشروع، وتخريب منظومة التأمين الأمني العام في توقيت شديد الحساسية.”

وقبل أن يبتلع طارق ريقه المهزوز، قدم ممثل الجهة القضائية ملفاً رقمياً ومستندات دامغة تثبت اتصالات طارق المتكررة بتلك الشبكة الوهمية الممولة من الخارج والتي كانت تتجسد في خلفية المشهد،

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
DA

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب وروائي رقمي، متخصص في تطوير منصات النشر الإلكتروني وهندسة البرمجيات المؤسسية، والأنظمة السحابية (Cloud Computing). مهتم بالتمويل الاستثماري، الاقتصاد الرقمي، استثمارات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الأسواق المالية …

عضو منذ 2026
918مقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

جوزي كل جمعه روايات

جوزي كل جمعه

كان بيعملي مساج للعضم غريب جدا ..كنت فكراه احن زوج في الدنيا لحد ما الدكتوره صاحبتي فوقتني…

Donia Ashraf 0.0 10 دقائق