تلفوني رن الساعة 502 الفجر. رديت وأنا لسه نص نايمة، لكن أول ما سمعت صوت مدحت جوز بنتي، صحيت تمامًا. قال بمنتهى القسوة تعالي خدي الزبالة بتاعتك من هنا. مسكت رخامة المطبخ بإيدي اللي بدأت تترعش، وسألته مريم فين يا مدحت؟ رد ببرود في موقف ميكروباصات رمسيس.
جالها انهيار عصبي من بتوعها، وأنا عندي عزومة مهمة النهارده لرئيس مجلس إدارة الشركة، ومش هسمح لمشاكلها تبوظ اليوم. سمعت صوت أمه سهير في الخلفية وهي بتضحك وقولي لإلهام إن بنتها الفاشلة مديونة لي ب ألف جنيه ثمن السجادة العجمي اللي بوظتها!
سناني اتكزت على بعض. مريم بنتي عندها 28 سنة، مهندسة شاطرة، وهادية لدرجة إن آخر مرة حصلت مشكلة في شغلها، هي اللي فضلت تهدي زملاءها رغم إن الغلط ما كانش منها. دي حتى مرة غيرت فردة كاوتش العربية في عز المطر، وإيديها كانت بتنزل دم، ومع ذلك ما اشتكتش.
فكرة إنها تكون انهارت فجأة ما دخلتش دماغي. قلت مدحت، مريم عملت إيه؟ قال لما تيجي خديها واسأليها. وقفل الخط في وشي. فضلت واقفة ثواني. وبعدين افتكرت حاجة. من أسبوعين، مريم كانت بتكلمني وتقول إن مدحت وأمه بقوا بيسألوها بشكل غريب عن حسابات الشركة اللي شغالة فيها، وعن عقود ومشروعات وأسماء عملاء.
ولما سألتها ليه، قالتلي مش فاهمة يا ماما… بس حاسة إنهم عايزين مني حاجة أنا مش هقدر أعملها. ساعتها طمنتها. دلوقتي فهمت إن الموضوع أكبر بكتير. على مدار تلات سنين، مدحت كان شايفني مجرد الست إلهام. أرملة هادية. ست معاش. عربية شاهين قديمة.
وكام ظرف عيدية كنت بديه لمريم في المناسبات. عمره ما سأل عن حياتي قبل المعاش. وعمره ما عرف إن عندي صندوق حديد صغير في دولاب الممر، جواه شارة النسر الفضي وبعض أوراق خدمتي القديمة. ولا عرف إن الست إلهام اللي قدامه قضت عقود في التحقيقات والجنائيات.
لبست بالطو تقيل، وخدت مفاتيح العربية. ونزلت. الساعة 543 كنت وصلت موقف رمسيس. فضلت أدور وسط العربيات والناس القليلة الموجودة في الوقت ده. لحد ما شفتها. مريم. كانت متكومة تحت عمود نور مكسور. من غير جاكيت. في رجلها فردة جزمة واحدة.
صوابعها زرقاء من البرد. ووشها مليان كدمات. جريت عليها. نزلت على ركبتي جنبها يا حبيبتي… بصيلي. فتحت عينيها بصعوبة. وأول ما شافتني، مسكت في بالطوي. ماما… أنا هنا. بدأ جسمها يرتعش بعنف. مدحت وأمه ضربوني. اتجمدت. ليه؟ بصت حواليها بخوف.
اكتشفت إنهم كانوا بيحاولوا يستخدموا اسمي في أوراق مش قانونية تخص الشركة. قلبي دق بعنف. إيه الأوراق دي؟ همست عقود… وتحويلات… وتوقيعات. وبعدين قالت لما رفضت أمضي، مدحت قاللي إنهم هيخلوني أندم. سكتت لحظة، وبصتلي بعينين مليانين دموع. وبعدها أمه قالتلي إن محدش هيصدقني… وإنهم هيقولوا إني تعبانة ومش واعية.
مسكت وشها بين إيديا. عملوا فيكي إيه؟ قالت بصوت مكسور ضربوني… وخدوا موبايلي. وبعدين أضافت وقالولي إنهم نضفوا البيت من كل حاجة… ومحدش هيعرف يثبت عليهم حاجة. وفجأة رأسها مال على كتفي. مريم! ما ردتش. جسمها ارتخى بين إيديا. الساعة 547 طلبت الشرطة والإسعاف.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.