وفي عيد ميلاده التاني، عملت له حفلة صغيرة في بيت أمي، وجبت سحر بعد ما اتأكدنا إن صحتها تسمح وإن المكان مناسب ليها. كانت قاعدة على كرسي جنب الشباك، ويوسف بيلعب قدامها. لما شافها، جري عليها ومد لها لعبة عربية صغيرة. قالت له دي بتاعتك يا حبيبي؟
ضحك وهز راسه. قعدت تلعب معاه شوية، وبعدها بصت لي وقالت إنت بقيت أب أحسن. ابتسمت. كنت محتاج أتعلم. قالت أهم حاجة إنك تكمل. بعد الحفلة، وأنا بوصلها البيت، قالت لي مصطفى، أنا عايزة أشكرك. استغربت. على إيه؟ على إنك ما بقيتش بتحاول تشتري مسامحتي.
بقيت بتساعدني من غير ما تستنى مني كلمة، وده فرق معايا. بصيت للطريق، وقلت أنا اللي المفروض أشكرك، لأنك رغم كل اللي حصل، علمتيني إني أكون أحسن. سكتت، وبعدها قالت أنا سامحتك على حاجات كتير، بس فيه ۏجع مش بيروح بسهولة. هزيت راسي. عارف، ومش هطلب منك تنسي.
قالت وأنا مش عايزة أفضل شايلة الۏجع ده طول عمري. بصيت لها، وشفت في عينيها راحة ما شفتهاش من وقت طويل. بعد فترة، جالنا خبر إن نتائج الفحوصات أظهرت تحسنًا في بعض المؤشرات، وإن العلاج جايب استجابة جزئية تستحق الاستمرار والمتابعة، لكن الطبيب أكد إن ده مش معناه الشفاء التام، وإن الطريق لسه محتاج صبر.
لما سمعت الكلام، سحر بكت من الفرحة، وأنا حضنتها من غير ما أقول أي وعود. قالت يعني لسه فيه فرصة؟ الدكتور رد فيه فرصة، وهنكمل الخطة المناسبة لحالتك، لكن لازم نفضل واقعيين ونلتزم بالمتابعة. خرجنا من العيادة، وسحر كانت ماسكة إيدي بقوة.
قالت أنا مش عايزة أضيع يوم تاني في الزعل. ابتسمت. يبقى نعيش اليوم اللي إحنا فيه. لكن المفاجأة الأكبر ما كانتش في نتيجة الفحوصات. بعد كام يوم، وأنا بساعدها ترتب الكتب على الرف، طلعت الدفتر اللي كانت بتكتب فيه من شهور، وحطته قدامي.
قالت افتحه. فتحته، ولقيت أول صفحة مكتوب فيها حاجات نفسي أعملها قبل ما أقول إني تعبت من الحياة. وتحت العنوان كانت كاتبة قائمة طويلة، فيها حاجات بسيطة، زي إنها تشوف النيل وقت الغروب، وتزور أمها، وتطبخ أكلة بتحبها، وفيه حاجات أكبر، زي إنها تساعد بنت الجيران تكمل تعليمها، وتعمل مشروع صغير يساند مرضى السړطان اللي ظروفهم صعبة.
بصيت لها بإعجاب. إنتِ كنتِ بتخططي لكل ده؟ ابتسمت. كنت بحاول أفكر في حاجة غير المړض. قلبت الصفحات، لحد ما وصلت لصفحة فيها عنوان مختلف. رسالة لمصطفى. قلبي اتقبض. بصيت لها، فقالت اقراها. بدأت أقرأ.
يا مصطفى، أنا مش عارفة وإنت بتقرأ الرسالة دي هكون فين من رحلتي مع المړض، لكني عايزاك تعرف إن الإنسان ممكن يتوجع من أقرب الناس ليه، وبرغم كده يختار ما يحولش الۏجع لكره. يوم ما طلقتني، حسيت إن آخر باب كنت مستندة عليه اتقفل، لكن مع الوقت فهمت إن حياتي مش لازم تتوقف على قرارك، وإن ليا حق أعيش وأختار وأحلم، حتى لو جسمي تعبان.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.